الدكتور علي شرمان يكتب: موسيقات الشرق
- Super User
- Dr. Ali Al-Sharman
- Hits: 109

موسيقات الشرق
هارموني جو/ د. علي شرمان
الانتشار الجغرافي، والإرث الحضاري، والقالب، من أنصع ميزات الموسيقى العربية - الإسلامية، وهذا هو السبب الذي أدى إلى تنوع قوالب هذه الموسيقى وتعدد
أشكالها، وتنوع الأساليب الأدائية، وقد اعتمد هذا التنوع على مدى ارتباطها بثقافة المنطقة، سواء كانت عربية أو إسلامية، ومدى علاقتها بالمد والجزر الأساسية
للموسيقى الشرقية، فقد توحدت في معاصرة الحضارة الإسلامية التي جمعت هذه الشعوب، والنقيض أصبح السمة، حين تفككت هذه الوحدة الحضارية، فظهرت
سمات الاختلاف.
الشيء الذي لم يتغير كصفة واسمة لهذه الموسيقى هو جوهرها، حيث تحسُّها بالطرَب لتتجلى عبر الارتجال والتكرار وحرارة الإيقاعية ثرية الكم وغنية النوع، بينما
يخرج النغم المرتجل من أفئدة الإنسان الشرقي محصَّلاً بمشاعر وأحاسيس، تعكس حالة أو طقساً، ينهال التكرار في الجملة بشكل تناظري ومكثف تكراره، أما الإيقاع
متزاوج مع نبض القلب المتبدل للإنسان الشرقي، حيث الشكل النبضي المتسارع وغير المنتظم أحياناً، استناداً للحالة الوجدانية التي تلمه وقت الإبداع.
التكراري الشفاهي أو التلقين؛ عنصر تشترك فيه موسيقات الشرق، ولو أن بعض هذه الموسيقات قد اتجهت إلى منهجة هذا النمط، ليأخذ شكلاً من أشكال التعليم
الموسيقي بطابع شفوي تكون فيه الذاكرة الرطبة، وهيجان الخيال من أوردة هذا التلقين.
تتفرع موسيقات الشرق إلى مدارس متنوعة، فإضافة إلى مدرسة الموسيقى العربية والتي تتفرع إلى اتجاهات موسيقية متباينة، هناك المدرسة التركية، التي
اشتركت في ميزاتها الأساسية مع المدرسة العربية، حيث تميزت بداياتها باعتمادها على اللغة العربية وظهور «القصيد» كشكل غنائي، وخاصة في بداية دخول الأتراك
العالم الإسلامي، وبحكم بعض الحركات الصوفية.
فالمدرسة التركية لم تُخلِ الكلمة كما هي الحال في الموسيقى العربية، بل انطلقت في إبداعات لحنية مميزة كالسماعيات التي تعتبر من الأنماط الموسيقية الآلية،
هذه المدرسة انطلقت أبعد من التأثر بالموسيقى العربية، إلى تأثرها أيضاً بالموسيقى الأوروبية لتدخل إليها بعض الأشكال الموسيقية كالمقطوعات الموسيقية
الأوروبية المعروفة، ذات الإيقاع السريع، في حين تميزت هذه المدرسة بالتقاسيم والتقسيمات الشرقية، لتشكل نمطاً موسيقياً محدثاً، كما يعتبر تطوير سرعة الأداء
عند العازف، كأداء المعزوفات الآلية السريعة، من الميزات المهمة في المدرسة التركية، فتميزت هذه المدرسة في تطوير تقنية العزف على آلة العود وبشكل لافت
للنظر.
إن أذربيجان وإيران تشتركان بمدرسة موسيقية شرقية مختلفة، وبتقارب كبير في الشكل والمضمون الموسيقي، حيث كان للبعد الجغرافي والسكاني الأثر في هذا
التقارب، إذ يشكل «المقام» شكلاً مميزاً من الأشكال الموسيقية المتعددة في هذه الأقاليم المهمة في العالم الإسلامي، والتي لا يبعد مقامها السلمي الحديث
بسبع نغمات كما هو الحال في المقام الموسيقي العربي أو السلم الموسيقي العالمي، بل تمتد إلى إحدى عشرة نغمة في بعض المقامات وثلاث عشرة نغمة في
البعض الآخر. هذا النظام النغمي الذي تجلى بريادة المؤلف الموسيقي الآذري المحدث «أوزير حاج بيكوف»، بينما لا تتميز هذه المدرسة الموسيقية باختلاف كبير عن
المدرسة الموسيقية لجمهوريات آسيا الوسطى (طاجيكستان، غيرغيزستان، تركمانستان، وأوزبكستان)، وذلك من حيث النظام النغمي والإيقاعي، هذه المدرسة التي
أثرت الموسيقى العربية والإسلامية ليس فقط وجدانياً بل شكلاً ومضموناً، كما أنها شكلت امتداداً إقليمياً للحضارة العربية الإسلامية منذ مطلع القرن السابع الميلادي
وما زالت.
بقي أن نقول إن من أهم مشتركات هذه المدارس، تشابه التفاعلات السيكولوجية والفسيولوجية للإنسان الشرقي، ووحدة العقيدة التي أدت إلى تميز هذه المدارس،
بتفجير العواطف الإنسانية إلى الداخل، وليس جهراً، كما أن اعتمادها على التردد اللحني «الكوموفونية» في إبداع الألحان أثرى البعد التصويري النفسي، الشيء الذي
أوجد مبدأ التكرار والارتجال، وتعدد الأشكال الإيقاعية لإظهار هذا البعد، أما العنصر المشترك الأهم فهو رنينها المطرِد نحو التطريب.
