الدكتور علي شرمان يكتب: ليودفغ فان بيتهوفن: بلاغة الموسيقى وشفافية الحس الإنساني : (2)
- Super User
- Main News
- Hits: 15

ليودفيغ فان بيتهوفن: بلاغة الموسيقى وشفافية الحس الإنساني
هارموني جو- الدكتور علي شرمان
سمت عبقرية بتهوفن إلى ما فوق تقلبات الزمان التي بدأت تدق أذنيه بإعراض من الصمم بداية العام 1798؛ فماذا كان يملك بتهوفن من ثروة
يستعيض بها عن فقدانه لنعمة السمع؟ هل يا ترى، كان لينجح فيضاعف إنتاجه لو لم يكن أصمّ؟ أم أن نعمة الصمم منحته عبقرية الإبداع؟
فالمعجزة في مؤلفاته أنها أصبحت أكثر نضجاً وأعظم شأناً وأجلّ مقدرة في اللحظة التي يتزايد فيها صممه الذي ألمّ به وهو في السابعة والعشرين
من عمره، حتى إن المتمعن في مؤلفاته المتأخرة يلاحظ أنه لا توجد قطعة موسيقية واحدة تبدو وكأن بتهوفن لم يسمعها، رغم أنه أحس أن الصمم
أصابه بهزيمة، لكنه كان يحلم بغزو العالم بموسيقاه، كما قال عنه موتسارت: «هذا الصبي سيعطي العالم شيئاً يُذكر». فقد أبدع بخيال فسيح
وتأليف عميق وكان لرقعة الصوت ورنين الشجن، فسمى في عالم الموسيقى الرفيع إلى المكانة التي ارتفع إليها هوميروس وشكسبير في عالم
الأدب.
ينحدر هذا العبقري الألماني الذي عاش وحيداً والمولود في 16/15 كانون الأول من العام 1770، من عائلة فقيرة كانت تقطن إحدى القرى المجاورة
لبلدة بون، عاصمة أمراء كولونيا ابن أخت عمدة بون، ابن أحد الموسيقيين في جوقة رئيس أساقفة كولونيا، وعمل والده مغنياً ببلاط رئيس الأساقفة،
أما أمه فكانت خبيرة بأعمال القصر ومن العاملين على تنظيفها.
بدأ نبوغ بتهوفن في سن السادسة كعازف على آلة البيانو بعد أن كان أبوه يلقنه دروساً عليها وعلى آلة الكمان وتلقى بعدها دروساً على يد أستاذه
(PFEIFER) و(ZAMBONA) كما تعلم عزف الأورغن على يد عازف الأورغن الشهير (فان دين إيدن) في بلاط رئيس الأساقفة، وقد وصلت به درجة
الموهبة إلى أن ينيبه أستاذه الجديد (NEEFE C.G.) لإحياء بعض الحفلات الموسيقية بدلاً منه.
اختلفت موسيقى بتهوفن في طابعها ونضجها بعد أن صاحب أفكاره الموسيقية إلى عاصمة ألحان الخلود فيينا، فقد كان واثقاً من عبقريته في غير
كبرياء، وحين اتخذ من فيينا وطناً ثانياً وعرف أنه لن يعود إلى بون، لا سيما بعد انتصارات بونابرت وفقدانه مركزه كعازف للقصر في بون، فلم تكن
الحياة في فيينا كتلك في بون ولم تتجاوب معه نغمات الحرية، التي لم يعبد في صباه وفي رجولته شيئاً غيرها، وأصداؤها على ضفاف الدانوب كما
تجاوبت على ضفاف الراين. والنتيجة أن انتزع بتهوفن إعجاب الأوساط الأرستقراطية التواقة للموسيقى الرفيعة في فيينا، وانتزع تقديرها لبراعته
الفائقة في العزف والارتجال الكثير من الألحان الرائعة، وكما أعجب الناس في البدء بعزف (الفتى الناشئ) على البيانو في صالونات النبلاء، ومحبي
الموسيقى من أفراد الشعب وأعجبوا أيضاً بجهده الحر وخياله، فأصبحت كل حفلة يحييها تفوق سابقاتها جودة وبراعة، فقد كان قد عزف في برلين
أمام رجال القصر الملكي البروسي، مما حدا بفريدريك فيلهلم الثاني، أن يهديه علبة ذهبية مليئة بقطع الذهب، وذلك اعترافاً من القيصر بعبقرية
المواطن بتهوفن.
إن موسيقى بتهوفن تنم عن خيال جريء في تصوير الحدث إلى درجة انك تشعر بنفسك هائماً في عالم آخر غريب، وتشعر بعمق هذا التأثير
النفسي من خلال مؤلفاته الجريئة المتعددة القفزات التي تنتقل من فكرة إلى أخرى بكل جرأة ونفس محسوب، فأفكاره مترابطة ومتناسقة في
تطورها التدريجي وهي أبعد من أن تفقد مستمع لَذّة المتابعة والدراسة لما فيها من الخيال الغزير والخلق والإبداع. كما أبدع في التأليف بمختلف
الأشكال الموسيقية الكلاسيكية مثل الرقصات للأوركسترا، وموسيقى الحجرة للبيانو والآلات الوترية والآلات النحاسية والبيانو بمصاحبة الأوركسترا
والسيمفونيات والكونشيرتو والسوناتات والتوزيعات.
تأثر بتهوفن بمؤلفاته الأولى بفن موتسارت، وقد يبدو ذلك بوضوح في مقطوعته السباعية (Septet) وظهر أثر هايدن على بتهوفن في السوناتات
(op. 2) (Sonata) حيث أهداها التلميذ بتهوفن إلى أستاذه هايدن ومرت سنوات طوال قبل أن يدرك الطالب أستاذها المتواضع الذي أطلق على
بتهوفن الصغير لقب الموسيقي الكبير والباشا التركي، إلى أن تجلت تلك الاحترام الأخلاقي الملتزم في الحفل الموسيقي الذي أقامته فيينا العام
1808 تكريماً للمؤلف الموسيقي هايدن، وبعد انقضاء الحفل نهض الشاب بتهوفن وقبل جبين ويد أستاذه هايدن أمام الملأ تحية لمقامه واعترافاً
بفضله.
وقد بلغ بتهوفن ذروة شهرته العام 1814 حين قدم للجمهور سيمفونيته السابعة مع مقطوعة "اللحظة المجيدة" التي ذاعت في إنجلترا وعرفت
باسم "سيمفونية المعركة"، فلم تكن موسيقاه صورة من صور الاستسلام، حيث معلم أن أغلب عمالقة الموسيقى صوروا حياتهم في ألحانهم
بسبب كانت أوهامهم صورة حية لما كانت تجيش به نفوسهم، فنجد المؤلف الموسيقي الروسي العظيم "تشايكوفسكي" يستسلم للقدر
استسلاماً كلياً في أروع ما كتبه وهو سيمفونيته السادسة المعروفة بالسيمفونية الحزينة، فقد بدأها قوية ولكنها لم تستطع إخفاء ألم واستسلامه
في نهايتها، وهذا ما لا نجده عند بتهوفن الأصم فهو مع أول موسيقي استطاع أن يحافظ على النزعة التحررية، كما استطاع بفضل تمسكه بهذه
النزعة ووقوفه في وجه العادات القديمة الراسخة حيث كانت الموسيقى خاصة خضوعاً شبه تام لرعاية طبقة النبلاء وحدهم، استطاع أن يرفع من
شأن المنزلة الاجتماعية للموسيقيين الألمان، فلم تعد مهنة الموسيقى مقصورة بصفة رئيسة على الترفيه من عائلات الأمراء وسكان القصور،
وأصبحت الموسيقى بفضله برعاية الطبقة المتوسطة والتي كانت قد نهضت بفضل الثورة الفرنسية، هذه الثورة التي تحمس لشعارها بتهوفن
(الحرية، الإخاء، المساواة) فقد أهدى إحدى مؤلفاته وهي السيمفونية الثالثة التي تتميز بروعتها وشدة تأثيرها "سيمفونية أوريكا"، والتي كانت
المحاولة الأولى لوضع سيمفونية على أسس دراما، أهداها إلى نابليون ولكنه سرعان ما مزق الإهداء عندما علم أن نابليون نصب نفسه إمبراطوراً،
فشخصيته لم تعرف اليأس والاستسلام، فهو الذي لم يفكر يوماً في أن ينهي لحناً من ألحانه بصورة حزينة تحث مستمعها إلى التفكير باليأس،
وكانت موسيقاه قوة في جمال وجمال في هدوء، لم تعرف القنوط ولا الاستسلام، فثوريات القدر التي هزت شعوباً ودولاً في سيمفونيته الخامسة،
لا زالت حتى اليوم خير شاهد على أن موسيقى الأصم لم تعترف بالأستسلام، فهو أراد أن يكون بحق كفواً للمحمل عبء الفنان الأصيل، رغم أنف
المأساة حيث يقول: "لقد بذلت جهدي ومالي في سبيل أن أصبح فناناً أصيلاً وإنساناً قبل كل شيء".
وإلى أبعد من ذلك فقد كانت "سوناتا الفرح" التي ظهرت في موسيقى بتهوفن من بين أهم أروع ما كتبه وهو من الأمثلة الدالة على ذلك:
افتتاحيات ليونورا، وخاتمتا السيمفونيتين الخامسة والسابعة، وأنشودة الفرح في السيمفونية التاسعة، كما أن استاطيقيات بتهوفن الموسيقية
واتجاهه الشمولية في فنه كان واضحاً في السيمفونية التاسعة والتي تميزت بكورال ينشد نشيد الفرح في نهايتها، وكذلك السوناتات المؤثرة
(الباتيتيك) وسوناتا (ضوء القمر) و(الأباسيوناتا) وافتتاحيات إغمونت، وفيديليو، وسيمفونية أوريكا، والسيمفونيتين الخامسة والسابعة.
وبشكل عام فإن سيمفونياته التسع والتي اصبحت التراث المشترك للمدنية الغربية والتي عكست في خواتيمها النشاط والأمل والكبرياء والثقة
بالنفس، وسوناتاتة الاثنتين والثلاثين تمثل أعظم شيء تحقق في تاريخ الموسيقى وأفتتن بها جموع الشعب، كما أفتتن بها الهواة المدققون في
حسن الموسيقى، فهي تعبر عن آمال الشعب الكبيرة وعواطفه وأشجانه وهي أيضاً ذات طابع عالمي، بحيث يستطيع كل انسان ان يتأثر بها بفضل
بلاغتها وقوة تأثيرها ومظهرها الحماسي بغض النظر عن اختلاف البلد أو اللغة أو العقيدة.
