
الدكتور علي شرمان
حلول شهر رمضان المبارك لعام 2026، تتزيّن محافظات الأردن ببرنامج واسع من الفعاليات الموسيقية والإنشادية التي تعكس روح الشهر وخصوصيته، حيث تتجه المسارح والمراكز
الثقافية والساحات العامة إلى تقديم أمسيات تتسم بوقار الكلمة وهدوء اللحن، وتستند إلى تقاليد الابتهال الديني والأناشيد الروحانية والأغاني التي ارتبطت بذاكرة رمضان عبر الأجيال.
وتأتي هذه الأنشطة بتنظيم من وزارة الثقافة ومديرياتها في المحافظات، إلى جانب البلديات والهيئات الثقافية المحلية، لتمنح الجمهور فرصة العيش في أجواء رمضانية تجمع بين الفن
والتأمل الروحي.
في محافظة الكرك، واصلت وزارة الثقافة اليوم الجمعة فعاليات برنامج “أماسي رمضان” لليوم الثاني على التوالي في مركز الحسن الثقافي الكائن في ضاحية المرج، حيث شهدت
الأمسية حضورًا عائليًا متنوعًا من مختلف مناطق المحافظة. وقدّمت الفرق المشاركة باقة من الأناشيد الدينية والابتهالات التي استحضرت معاني الصفاء والإيمان، وتنوّعت بين مقامات
شرقية أصيلة وأداء جماعي اتسم بالانسجام والسكينة، ما أضفى على المكان أجواءً أقرب إلى المجالس الرمضانية التقليدية التي اعتادها الأردنيون.
وأكدت مساعد الأمين العام لوزارة الثقافة، مديرة ثقافة الكرك عروبة الشمايلة، أن برنامج الأمسيات الرمضانية يندرج ضمن رؤية الوزارة الهادفة إلى تنشيط الحياة الثقافية في مختلف
المحافظات، وتوفير فضاءات فنية للأسر الأردنية خلال الشهر الفضيل، بما يعزز القيم الروحية والاجتماعية المرتبطة برمضان. وأشارت إلى أن هذه الفعاليات تسهم كذلك في دعم الفنانين
والمنشدين المحليين، وإبراز مواهبهم أمام جمهورهم، بما يعزز حضور الفن الهادف الذي يحترم قدسية المناسبة.
وفي العاصمة عمّان، تتوزع الأمسيات بين المراكز الثقافية والمسارح المفتوحة، حيث تُقدَّم وصلات من المدائح النبوية والأناشيد الرمضانية التي تعتمد على التخت الشرقي والآلات الوترية
الهادئة، إلى جانب مشاركات فردية لمنشدين شباب يعيدون إحياء أعمال تراثية مثل “رمضان جانا” و“طلع البدر علينا” بصياغات موسيقية معاصرة تحافظ على أصالة اللحن دون إخلال بروح
النص. كما تستضيف بعض الفعاليات فرق كورال متخصصة في الإنشاد الصوفي، تقدم أعمالًا جماعية تتسم بالتدرج المقامي والوقفة التأملية.
أما في محافظات الشمال، مثل إربد وجرش وعجلون، فتقام أمسيات في القاعات الثقافية والساحات التراثية، حيث تمتزج الأناشيد الدينية بأجواء المدن القديمة، وتُقدَّم نصوص شعرية
تتناول معاني الصوم والتكافل والسكينة. وفي جرش تحديدًا، يكتسب الإنشاد طابعًا خاصًا بفضل الخلفية التاريخية للمواقع الأثرية التي تستضيف بعض الفعاليات، ما يخلق تفاعلًا بين
المكان والتراث الصوتي.
وفي محافظات الجنوب، كمعان والطفيلة والعقبة، تحرص الفرق المحلية على تقديم أعمال مستمدة من التراث البدوي والبيئة المحلية، حيث تُؤدَّى الأناشيد بنبرات هادئة وإيقاعات
خفيفة، تعكس بساطة الأداء وعمق المعنى. كما تُنظَّم أمسيات في الخيام الرمضانية الثقافية، تجمع بين التلاوة والإنشاد والموسيقى الروحانية، في إطار يحترم خصوصية الشهر ويبتعد
عن الصخب.
وتتميّز الفعاليات الرمضانية هذا العام بتركيزها على الأغاني التي تتناول القيم الإنسانية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الرحمة والتسامح والتكافل، مع اعتماد أساليب أداء تتجنب المبالغة
والاستعراض، وتمنح الأولوية لنقاء الصوت وصفاء اللحن. كما يبرز حضور العائلات والأطفال، ما يؤكد دور هذه الأمسيات في ترسيخ العلاقة بين الأجيال والتراث الموسيقي الروحي.
وبهذا، يشهد الأردن خلال رمضان 2026 حراكًا موسيقيًا مختلفًا في طابعه، ينحاز إلى البعد الروحي والجمالي للفن، ويعيد الاعتبار للأناشيد والابتهالات بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة
الثقافية، وجسرًا يربط بين الفن والإيمان في فضاء من السكينة والاحترام.