الدكتور علي شرمان يكتب: الفنان توفيق النمري نبع نضب (2)
- Super User
- الاخبار الرئيسية
- الزيارات: 20

الفنان توفيق النمري نبع نضب
هارموني جو/ الدكتور علي شرمان
فلاح أحب الأرض وانتمى إليها، نكشها وزرعها أنغاما شعبية في محصوله يكمن سر الحرفة، حصد حب الريف والأحياء الشعبية، فأصبح رمزا من رموز الثقافة الوطنية،
وذلك بنبشه التنغيم الشعبي الأردني القديم «الموروث» وبعثرته لينتقي من مفرداته ما هو أقرب إلى نفسه وانطلق، فصاغ من هذا الفتات الدسم جملا موسيقية
لملمها بفطرته في جرته الريفية، فانتشرت ألحانه وتأَلقت، ثم رطبت حر الشمس في أيام الحصاد المثخنة بحرارة الصيف.
وظف توفيق النمري سحر الإبانة في تحليل التنغيم المجهول الصياغة، بنظرة معيارية، يكمن هدفها في تحديد مبتغاه، في صياغة ألحان، لها دلالات متفجرة، تستنهض
صورا وجدانية، تكشف للمستمع عن بدائع سحر تنغيمات المتمثلة في زقزقة المغردة، وجرس الكلمة، وحنية النغمة الموسيقية المنفردة.
نعم الأغاني «التوفيقية» التي شدا بها برفقة أنغام عود، كان أول عود في «أربد»، ابتاعه من معلمه الفنان «الفرد برهم سماوي»، في بداية بداياته أوائل القرن
الماضي، حيث جاءت هذه الأغاني تجريدية فطرية، ريفية الصبغة والروح، رسمت شكلا وحسا لمستقبل الأغنية الأردنية، التي لم ينقطع منها سحر الحضارة والتاريخ
الشامخ. الحانها بسيطة من السهل الممتنع، عكست الأرض والطبيعة التي نما وترعرع بها الفنان. يكمن امتناع أغانيه بان لها شخصية محددة، كما أن لها حس ونمط
صياغة قل شبيهها، لا بل لا شبيه لها، وهي سهلة من حيث عدد أنغامها المتسلسلة القليلة القفزات اللحنية، وبساطة صياغتها، كما تميزت بترابط الجمل اللحنية،
وجمال الفواصل فيما بينها الممزوجة بوقفات متريثة، فجاء اللحن مجسدا للكلمة، فمد أنغاما مقصودة، لوصف التمايل في «ريفية وحاملة الجرة» مثلا، بينما أخذت بعض
أغانيه طابع «المارش» فأصبحت أكثر خشونة وبان التوقيع والتشديد، واختلاف النبرة في «مرحى لمدرعاتنا» و«يابا الخير» وغيرها.
تلونت مواضيع أغاني الفنان توفيق النمري، بألوان هارمونية، بانت واضحة في عشق الكلمة للحن، الواصف للحب الطاهر العذري للمحبوبة ومحاسنها، ورموشها
الطويلة، فهواها القلب، كما وصف حسن الزين الأسمر خفيف الروح ملونا بالبندقية، فغنت الحانها صبايا الحي، وربع الكفاف الساهرين في الذود عن حمى الوطن على
الجسرين.
فجر الفنان المكنون، فتدفقت ينابيع الألحان الشعبية الدفينة، فصاغ ألحانه وما يزال كمن لا ينضب، مستسقيا مشاعره من «على بير المي»، ولطف تلوعات وهمس
.أنغامه تحت «الزيزفونة»، متشمما عبقها ومتأملا مبسم المزيونة.
