تسجيل الدخول

تسجيل الدخول إلى حسابك

اسم المستخدم *
كلمة المرور *
تذكرني

إنشاء حساب جديد

الحقول المعلَّمة بعلامة النجمة (*) إلزامية.
الاسم *
اسم المستخدم *
كلمة المرور *
تأكيد كلمة المرور *
البريد الإلكتروني *
تأكيد البريد الإلكتروني *
Image
المدير ورئيس التحرير:
الدكتور علي الشرمان

النائب السابق الدكتور رائد قاقيش يكتب: عمر العبداللات عراب الاغنية الاردنية

هارموني جو/ الدكتور رائد قاقيش*

ليست الأغنية الأردنية مجرد لحن يُؤدّى، بل هي سردية حيّة تشكّلت عبر الزمن، بدأت كحكاية تُروى قبل أن تصبح عملاً يُسجَّل ويُعاد إنتاجه. في بداياتها، كان الصوت

فرديًا، يرافقه وتر الربابة، حيث يلتقي الراوي بالشاعر بالعازف، لتُحكى تفاصيل الحياة اليومية، من الفرح إلى الفقد، ومن المكان إلى الإنسان. في هذا السياق، يمثّل

عبده موسى أحد أبرز من جسّدوا هذا الامتداد، ناقلًا التراث الشفهي إلى فضاء أوسع دون أن يفقده روحه، ومؤكدًا أن الأغنية الأردنية وُلدت من السرد قبل أن تُبنى

.على اللحن

 

ومع تطور وسائل التسجيل وظهور الإذاعة، بدأت هذه السردية تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا وتنظيمًا، حيث جاء توفيق النمري ليمنحها بنية موسيقية أكثر تماسكًا، محولًا

الصوت الشعبي إلى صيغة قابلة للانتشار، بينما لعبت سميرة توفيق دورًا محوريًا في تثبيت اللهجة البدوية الأردنية ضمن الذاكرة السمعية العربية، لتصبح جزءًا من

.الهوية الغنائية للمشرق، لا مجرد لون محلي محدود

 

لم تُبنَ هذه السردية بصوت واحد، بل عبر طبقات متراكمة من التجارب التي أسهمت في تشكيل الوجدان الأردني. في هذا الإطار، تبرز تجربة ميسون الصناع كواحدة

من التجارب المبكرة التي اشتغلت على الأغنية التراثية بوعي موسيقي واضح، حيث قدّمت هذا اللون بصوت نسائي مرافق للعود في أعمال مثل “يا شوقي” و“يا

هبوب الشمال”، مقدّمة التراث كحالة حيّة لا كذاكرة جامدة. كما يظهر فارس عوض كصوت صادق كان يمكن أن يمتد أكثر ليمنح الأغنية الأردنية بعدًا أعمق، لما امتلكه

من قرب حقيقي من النفس الأردنية، بينما شكّل متعب الصقار حالة وجدانية خاصة عبّرت عن الإنسان الأردني ببساطة وصدق، وجعلت من الأغنية مساحة شعور لا

مجرد أداء، في حين حافظ حسين السلمان على الطابع الاحتفالي والاجتماعي للأغنية، مقدّمًا اللون الشعبي بصيغة قريبة من الناس ومتصلة بحياتهم اليومية

ضمن هذا الامتداد، يظهر عمر العبداللات كحالة مختلفة، لا بوصفه امتدادًا مباشرًا لهذه الأسماء، ولا قطيعة معها، بل كنقطة إعادة تشكيل للسردية نفسها. لم يتعامل

مع الأردن كموضوع يُغنّى، بل كبيئة حيّة تُعاش، فانتقل بالأغنية من حالة الوصف إلى حالة السرد، حيث تصبح الأغنية حكاية، لا خطابًا، وتجربة، لا تكرارًا

في تجربته، لم تعد الأغنية الأردنية قائمة على الشعارات أو الصور الجاهزة، بل أصبحت صوت الناس، وإيقاع حياتهم اليومية، وتفاصيلهم الصغيرة. وهذا ما يظهر في

أعماله الحديثة، حيث تُستخدم اللهجة الأردنية كما تُقال فعلًا، لا كما تُزيَّن، فتأتي المفردة بسيطة لكنها مشبعة بالمعنى، قريبة من القلب لأنها صادقة. هنا، لا يغني

.عمر باللهجة الأردنية فقط، بل يعيش داخلها، ويعبّر من خلالها عن واقع محسوس، لا عن صورة متخيّلة

 

وقد نجح في تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على التراث والانفتاح على الحداثة، دون الوقوع في فخ التكرار أو الذوبان. فلم تتحول أعماله إلى إعادة إنتاج للفلكلور، ولم

.تفقد في الوقت نفسه خصوصيتها لصالح الانتشار، بل قدّمت صيغة أردنية واضحة، قادرة على العبور إلى الجمهور العربي دون أن تفقد جذورها

ومع هذا النجاح، ظهرت إشكالية مرافقة، حيث تحوّل حضوره إلى مرجعية يصعب تجاوزها أو البناء عليها بسهولة، فبعض التجارب حاولت تقليده ففقدت خصوصيتها،

.وأخرى ابتعدت عنه ففقدت صلتها بالهوية، ما أبقى تجربته في كثير من الأحيان كحالة فردية متفوقة أكثر من كونها مدرسة مكتملة

 

ورغم ذلك، لم يتحول إلى رمز جامد، بل بقي فاعلًا داخل المشهد، يطوّر أدواته ويقترب أكثر من التفاصيل الإنسانية، مبتعدًا عن الاستعراض ومتجهًا نحو عمق أكبر في

.التعبير، ما يعيد تثبيته داخل السردية، لا فوقها

وإذا ما قرأنا هذا المسار كاملًا، من الربابة إلى الصوت الشعبي، ومن الأغنية المسجلة إلى الشكل الحديث، نجد أن عمر العبداللات لم يكن مجرد مرحلة ضمن هذا

التطور، بل لحظة إعادة صياغة له، استطاع من خلالها أن يجمع ما تفرّق، وأن يمنح الأغنية الأردنية شكلها الأكثر وضوحًا وتأثيرًا، وأن ينقلها من إطارها المحلي إلى

.فضاء عربي أوسع دون أن تفقد هويتها

.لهذا، لا يبدو وصفه بعرّاب الأغنية الأردنية مبالغة، بل توصيفًا دقيقًا لموقعٍ صنعه عبر الزمن، حين لم يكتفِ بأن يغني الأردن، بل ساهم في كتابة صوته

 

معماري وفنان تشكيلي ونائب برلماني سابق*

Image

هارموني هو إعلام موسيقي راقٍ، بصرياً وصوتياً، يجمع بين روح الفن العربي ومعايير الإعلام العالمي.

جميع الحقوق محفوظة هارموني - دغدغة التضاد © 2026.